فصل: قال السمرقندي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

اعلم أن هذا نوع ثالث من أحكامهم الفاسدة، وهي أنهم قسموا أنعامهم أقسامًا: فأولها: إن قالوا: {هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ} فقوله: {حجر} فعل بمعنى مفعول، كالذبح والطحن، ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وأصل الحجر المنع، وسمى العقل حجرًا لمنعه عن القبائح، وفلان في حجر القاضي: أي في منعه، وقرأ الحسن وقتادة {حجر} بضم الحاء وعن ابن عباس {حَرَجٌ} وهو من الضيق، وكانوا إذا عينوا شيئًا من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: {لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء} يعنون خدم الأوثان، والرجال دون النساء.
والقسم الثاني: من أنعامهم الذي قالوا فيه: {وأنعام حُرّمَتْ ظُهُورُهَا} وهي البحائر والسوائب والحوامي، وقد مر تفسيره في سورة المائدة.
والقسم الثالث: {أنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا} في الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام، وقيل لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها.
ثم قال: {افتراء عَلَيْهِ} فانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد، لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء.
ثم قال تعالى: {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} والمقصود منه الوعيد. اهـ.

.قال السمرقندي:

قوله تعالى: {وَقَالُواْ هذه أنعام وَحَرْثٌ}
وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحرث وهو نوع من الزرع حرموها على النساء.
{حِجْرٍ} يعني: حرام والحجر يكون عبارة عن العقل كقوله تعالى: {هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ} [الفجر: 5] أي: لذي لب وعقل ويكون عبارة عن الحرام كقوله: {يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا} [الفرقان: 22] يعني: حرامًا محرمًا وكقوله: {وَقَالُواْ هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنعام حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا افتراء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 138] يعني: حرامًا {لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء بِزَعْمِهِمْ} من الرجال دون النساء، وهو مالك بن عوف كان يفتيهم بالحل والحرمة.
وكان يقول: هذا يجوز وهذا لا يجوز لأشياء كانوا حرموها برأيهم.
ثم قال: {وأنعام حُرّمَتْ ظُهُورُهَا} وهي الحام من الإبل كانوا يتركونها ولا يركبونها {وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا} يعني: عند الذبيحة ويقال: عند الركوب وهي البحيرة {افتراء عَلَيْهِ} يعني: اختلاقًا وكذبًا على الله بأنه أمرهم بذلك {سَيَجْزِيهِم} يعني: سيعاقبهم {بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} يعني: يكذبون على الله بأنه أمرهم. اهـ.

.قال الثعلبي:

{وَقَالُواْ} يعني المشركين {هذه أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} يعني ما كانوا جعلوه للّه ولآلهتهم التي قد مضى ذكرها.
وقال مجاهد: يعني بالأنعام، البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، والحجر: الحرام. قال اللّه تعالى ويقولون {حِجْرًا مَّحْجُورًا} [الفرقان: 22] أي حرامًا حرمًا.
قال الليث:
حنّت إلى النخلة القصوى فقلت لها ** حجر حرام ألا تلك الدهاريس

وأصله من الحجر وهو المنع والحظر، ومنه: حجر القاضي على المفسد.
وقرأ الحسن وقتادة: وحرث حجر بضم الحاء وهما لغتان. وقرأ أُبي بن كعب وابن عباس وابن الزبير وأبي طلحة والأعمش: وحرث حرج بكسر الحاء والراء قبل الجيم وهي لغة أيضًا مثل جذب وجبذ.
وأنشد أبو عمرو:
ألم تقتلوا الحرجين إذ أعرضا لكم ** يمران بالأيدي اللحاء المضفرا

{لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ} يعنون الرجال دون النساء {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} يعني الحامي إذا ركب ولد ولده. قالوا: حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه {وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا}.
قال مجاهد: كانت لهم من أنعامهم طائفة لا يذكرون اسم اللّه عليها ولا في شيء من شأنها لا أن ركبوا ولا أن حلبوا ولا أن نتجوا ولا أن باعوا ولا أن حملوا.
وقال أبو عاصم: قال لي أبو وائل: أتدري ما أنعامٌ حرمت ظهورها؟ قلت: لا. قال: لا يحجّون عليها.
وقال الضحاك: هي التي إذا ذكوها أهلوا عليها بأصنامهم ولا يذكرون اسم اللّه عليها {افتراء عَلَيْهِ} يعني إنهم كانوا يفعلون ذلك ويزعمون إن اللّه أمرهم به {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}. اهـ.

.قال ابن عطية:

{وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ}
هذه الآية تتضمن تعديد ما شرعوه لأنفهسم والتزموه على جهة القربة كذبًا منهم على الله وافتراء عليه، فوصف تعالى أنهم عمدوا إلى بعض أنعامهم وهي الإبل والبقر والغنم أو الإبل بانفرادها، وما غيرها إذا انفرد فلا يقال له أنعام، وإلى بعض زروعهم وثمارهم، وسمي ذلك حرثًا إذ عن الحرث يكون، وقالوا هذه حجر أي حرام، وقرأ جمهور الناس {حِجْر} بكسر الحاء وسكون الجيم، وقرأ قتادة والحسن والأعرج {حُجْر} بضم الحاء وسكون الجيم، وقرأ ابن عباس وأبيّ وابن مسعود وابن الزبير والأعمش وعكرمة وعمرو بن دينار {جِرْج} بكسر الحاء وتقديم الراء على الجيم وسكونها، فالأولى والثانية بمعنى التحجير وهو المنع والتحريم، والأخيرة من الحرج وهو التضييق والتحريم، وكانت هذه الأنعام على ما قال ابن زيد محللة للرجال محرمة على النساء، وقيل كانت وقفًا لمطعم سدنة بيوت الأصنام وخدمتها، حكاه المهدوي، فذلك المراد بقوله: {من نشاء} وقوله: {بزعمهم} أي بتقولهم الذي هو أقرب إلى الباطل منه إلى الحق، وزعمهم هنا هو في قولهم: {حجر} وتحريمهم بذلك ما لم يحرم الله تعالى، وقرأ ابن أبي عبلة {بزَعَمهم} بفتح الزاي والعين، وكذلك في الذي تقدم، {وأنعام حرمت ظهورها} كانت للعرب سنن، إذا فعلت الناقة كذا من جودة النسل والمواصلة بين الإناث ونحوه حرم ظهورها فلم تركب وإذا فعل الفحل كذا وكذا حرم فعدد الله ذلك على جهة الرد عليهم إذ شرعوا بذلك برأيهم وكذبهم، {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} قيل كانت لهم سنة في أنعام ما أن لا يحج عليها فكانت تركب في كل وجه إلا في الحج، فذلك قوله: {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} هذا قول جماعة من المفسرين.
ويروى ذلك عن أبي وائل، وقالت فرقة: بل ذلك في الذبائح يريد أنهم جعلوا لآلهتهم منها نصيبًا لا يذكرون الله على ذبحها، وقوله: {افتراء} مصدر نصب على المفعول من أجله أو على إضمار فعل تقديره يفترون ذلك، و{سيجزيهم} وعيد بمجازاة الآخرة، والضمير في {عليه} عائد على اسم الله، و{يفترون} أي يكذبون ويختلفون. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر}
الحرث: الزرع، والحجر: الحرام.
والمعنى: أنهم حرَّموا أنعامًا وحرثًا جعلوه لأصنامهم.
قال ابن قتيبة: وإنما قيل للحرام: حجر، لأنه حُجر على الناس أن يصيبوه.
وقرأ الحسن، وقتادة: {حُجْر} بضم الحاء.
قال الفراء: يقال: حِجْر، وحُجْر، بكسر الحاء وضمها؛ وهي في قراءة ابن مسعود: {حرج}، مثل: جذب وجبذ.
وفي هذ الأنعام التي جعلوها للأصنام قولان:
أحدهما: أنها البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام.
والثاني: أنها الذبائح التي للأوثان؛ وقد سبق ذكرهما.
قوله تعالى: {لا يطعمها إلا من نشاء} هو كقولك: لا يذوقها إلا من نريد.
وفيمن أطلقوا له تناولها قولان:
أحدهما: أنهم منعوا منها النساء، وجعلوها للرجال، قاله ابن السائب.
والثاني: عكسه، قاله ابن زيد.
قال الزجاج: أعلم الله تعالى أن هذا التحريم زعم منهم، لا حجة فيه ولا برهان.
وفي قوله: {وأنعام حُرِّمت ظهورها} ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها الحام، قاله ابن عباس.
والثاني: البحيرة، كانوا لا يحجُّون عليها، قاله أبو وائل.
والثالث: البحيرة، والسائبة، والحام، قاله السدي.
قوله تعالى: {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} هي قربان آلهتهم، يذكرون عليها اسم الأوثان خاصة.
وقال أبو وائل: هي التي كانوا لا يحجُّون عليها، وقد ذكرنا هذا عنه في قوله: {حرِّمت ظهورها}، فعلى قوله: الصفتان لموصوف واحد.
وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شيء؛ لا إن رُكِبوا، ولا إن حملوا، ولا إن حلبوا، ولا إن نُتِجوا.
وفي قوله: {افتراءً على الله} قولان:
أحدهما: أن ذكر أسماء أوثانهم، وترك ذكر الله هو الافتراء.
والثاني: أن إضافتهم ذلك إلى الله تعالى هو الافتراء، لأنهم كانوا يقولون: هو حرم ذلك. اهـ.

.قال القرطبي:

{وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ}
ذكر تعالى نوعًا آخر من جهالتهم.
وقرأ أبان بن عثمان {حُجُرٍ} بضم الحاء والجيم.
وقرأ الحسن وقتادة {حَجْر} بفتح الحاء وإسكان الجيم، لغتان بمعنًى.
وعن الحسن أيضًا {حُجر} بضم الحاء.
قال أبو عبيد عن هارون قال: كان الحسن يضم الحاء في {حِجر} في جميع القرآن إلا في قوله: {بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا} [الفرقان: 53] فإنه كان يكسرها هاهنا.
ورُوي عن ابن عباس وابن الزبير {وَحَرْثٌ حِرْج} الراء قبل الجيم؛ وكذا في مصحف أبَيٍّ؛ وفيه قولان: أحدهما أنه مثل جبَذ وجذب.
والقول الآخر وهو أصح أنه من الحِرج؛ فإن الحِرج (بكسر الحاء) لغة في الحَرَج (بفتح الحاء) وهو الضيق والإثم؛ فيكون معناه الحرام.
ومنه فلان يتحرّج أي يضيق على نفسه الدخولَ فيما يشتبه عليه من الحرام.
والحِجر: لفظ مشترك.
وهو هنا بمعنى الحرام، وأصله المنع.
وسُمِّيَ العقل حجرًا لمنعه عن القبائح.
وفلان في حِجْر القاضي أي منعه.
حجرت على الصبيّ حِجْرًا.
والحِجر العقل؛ قال الله تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ} [الفجر: 5] والحِجر الفرس الأنثى.
والحِجر القرابة.
قال:
يريدون أن يُقصُوه عنِّي وإنه ** لذُو حَسَبٍ دانٍ إليّ وذو حِجْرِ

وحِجر الإنسان وحَجره لغتان، والفتح أكثر.
أي حَرّموا أنعامًا وحَرْثًا وجعلوها لأصنامهم وقالوا: {لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاءُ} وهم خدّام الأصنام.
ثم بيّن أن هذا تحكّم لم يَرِد به شرع؛ ولهذا قال: {بِزعْمِهِمْ}.
{وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} يريد ما يسيبونه لآلهتهم على ما تقدّم من النصيب.
وقال مجاهد: المراد البَحِيرة والوصِيلة والحام.
{وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا} يعني ما ذبحوه لآلهتهم.
قال أبو وائل: لا يحجّون عليها.
{افتراء} أي للإفتراء {عَلَى الله} [الأعراف: 169]؛ لأنهم كانوا يقولون: الله أمرنا بهذا.
فهو نصبٌ على المفعول له.
وقيل: أي يفترون افتراء؛ وانتصابه لكونه مصدرًا. اهـ.

.قال الخازن:

قوله تعالى: {وقالوا} يعني المشركين {هذه أنعام وحرث حجر} أي حرام وأصله المنع لأنه منع من الانتفاع منه بتحريمه.
وقيل: هو من التضييق والحبس لأنهم كانوا يحبسون أشياء من أنعامهم وحروثهم لآلهتهم.
قال مجاهد: يعني بالأنعام البحيرة ولاسائبة والوصيلة والحامي {لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم} يعني يأكلها خدام الأصنام والرجال دون النساء: {وأنعام حرمت ظهورها} يعني الحوامي وهي الأنعام التي حموا ظهورها عن الركوب فكانوا لا يركبونها {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} يعني لا يذكرون اسم الله عليها عند الذبح وإنما كانوا يذكرون عليها أسماء الأصنام: وقيل معناه لا يحجون عليها ولا يركبونها لفعل الخير لأنه لما جرت العادة بذكر الله على فعل كل خير ذم هؤلاء على ترك فعل الخير {افتراء عليه} يعني أنهم كانوا يفعلون هذه الأفعال ويزعمون أن الله أمرهم بها وذلك اختلاق وكذب على الله عز وجل: {سيجزيهم بما كانوا يفترون} فيه وعيد وتهديد لهم على افترائهم على الله الكذب. اهـ.